القرطبي
290
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الذي في لونه بياض إلى سواد . ومنه قيل للرماد أورق ، والحمامة ورقاء . ذكره الأصمعي . قال : وهو أطيب الإبل لحما وليس بمحمود عند العرب في عمله وسيره . وأما « الثقال » فهو البطيء قال أبو عبيد : إنما خص عبد اللّه الأورق من الإبل لما ذكر من ضعفه عن العمل ، ثم اشترط الثقال أيضا فزاده إبطاء وثقلا ، فقال : كن في الفتنة مثل ذلك ، وهذا إذا دخل عليك وإنما أراد عبد اللّه بهذا التثبط عن الفتنة والحركة فيها . فصل وأما أمره صلى اللّه عليه وسلم أبا ذر بلزوم البيت وتسليم النفس للقتل ؛ فقالت طائفة ذلك عند جميع الفتن ، وغير جائز لمسلم النهوض في شيء منها ، قالوا : وعليه أن يستسلم للقتل إذا أريدت نفسه ولا يدفع عنها ، وحملوا الأحاديث على ظاهرها ، وربما احتجوا من جهة النظر بأن قالوا : إن كل فريق من المقتتلين في الفتنة فإنه يقاتل على تأويل وإن كان في الحقيقة خطأ فهو عند نفسه محق ، وغير جائز لأحد قتله ، وسبيله سبيل حاكم من المسلمين يقضي بقضاء مما اختلف فيه العلماء على ما يراه صوابا ، فغير جائز لغيره من الحكام نقضه إذا لم يخالف بقضائه ذلك كتابا ولا سنة ولا جماعة ، وكذلك المقتتلون في الفتنة كل حزب منهم عند نفسه محقّ دون غيره مما يدعون من التأويل ، فغير جائز لأحد قتالهم ، وإن هم قصدوا لقتله فغير جائز دفعهم ، وقد ذكرنا من تخلّف عن الفتنة وقعدوا منهم : عمران بن الحصين ، وابن عمر ، وقد روي عنهما وعن غيرهما منهم عبيدة السلماني أن من اعتزل الفريقين فدخل بيته فأتى من يريد نفسه فعليه دفعه عن نفسه ، وإن أبى الدفع عن نفسه فغير مصيب ، كقوله عليه الصلاة والسلام : « من أريدت نفسه وماله فقتل فهو شهيد » « 1 » . قالوا : فالواجب على كل من أريدت نفسه وماله فقتل ظلما دفع ذلك ما وجد إليه السبيل متأولا كان المريد أو متعمدا للظلم . قلت : هذا هو الصحيح من القولين - إن شاء اللّه تعالى - وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ؛ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ قال : « فلا تعطه مالك » ، قال أرأيت إن قاتلني ؟ قال : قاتله ، قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : فأنت شهيد ، قال : أرأيت إن قتلته ؟ قال : « هو في النار » « 2 » . وقال ابن المنذر : ثبتت الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من قتل دون ماله
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 1420 ) وغيره ، وصححه الألباني . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 140 ) .